ابن عجيبة

185

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

البصيرة ، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع ، والأخرى تنظر للقدرة فتقوم بالحقائق . فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعملوا عين الشريعة ، وهم أهل الكفر والزندقة ، ولذلك قالوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا ، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة ، وهم عوام المسلمين من أهل اليمين ، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها ، فإن أنكروها فقد عميت بصيرتهم . وقوم أحبهم اللّه ، ففتح لهم عين الحقيقة ، فأسندوا الأفعال كلها إلى اللّه ولم يروا معه سواه ، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها ، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي ، وهم الأولياء العارفون بالله ، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقا ، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقا ، ومن تمسك بهما كان صدّيقا ، فمن رام التمسك بالشرائع ، ولم تسعفه الأقدار ، فإن كان عن سكر وجذب فهو معذور ، وإن كان عن كسل فهو مخذول ، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان ، والعياذ بالله . ثم بيّن لهم ما حرم عليهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 151 إلى 153 ] قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 151 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 152 ) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) قلت : ( تعالوا ) : أمر من التعالي ، وأصله : أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل ، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم ، و ( ألّا تشركوا ) : فيه تأويلات ؛ أحدها : أن تكون مفسرة لا موضع لها ، و ( لا ) : ناهية جزمت الفعل ، أو تكون مصدرية في موضع رفع ، أي : الأمر ألّا تشركوا ، و ( لا ) : نافية حينئذ ، أو بدل من « ما » و ( لا ) : زائدة ، أو على حذف الإغراء ، أي : عليكم ألا تشركوا . قال ابن جزى : والأحسن أن يكون ضمّن حَرَّمَ معنى وصّى ، وتكون « أن » مصدرية ، و « لا » نافية ، ولا تفسد المعنى ؛ لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل وبوجوب وندب ، ويدل على هذا قوله بعد ذلك :